الشنقيطي

330

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

بصلة ، كما وقع من أبي طالب للنبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، وقد ثبت في الصحيح عنه صلى اللّه عليه وسلم أنّه قال : « إنّ اللّه يؤيّد هذا الدّين بالرجل الفاجر » « 1 » ولكن تلك القرابات النسبيّة لا يجوز أن تجعل هي الرابطة بين المجتمع ؛ لأنّها تشمل المسلم والكافر ، ومعلوم أنّ المسلم عدوّ الكافر ، كما قال تعالى : لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [ المجادلة : 22 ] الآية ، كما تقدّم . والحاصل - أن الرابطة الحقيقيّة الّتي تجمع المفترق وتؤلّف المختلف هي رابطة « لا إله إلّا اللّه » ألا تر أنّ هذه الرابطة الّتي تجعل المجتمع الإسلامي كلّه كأنّه جسد واحد ، وتجعله كالبنيان يشدّ بعضه بعضا ، عطفت قلوب حملة العرش ومن حوله من الملائكة على بني آدم في الأرض مع ما بينهم من الاختلاف ؛ قال تعالى : الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ ( 7 ) رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 8 ) وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 9 ) [ غافر : 7 - 9 ] . فقد أشار تعالى إلى أنّ الرابطة التي ربطت بين حملة العرش ومن حوله ، وبين بني آدم في الأرض حتّى دعوا اللّه لهم هذا الدعاء الصالح العظيم ، إنما هي الإيمان باللّه جل وعلا ؛ لأنّه قال عن الملائكة : وَيُؤْمِنُونَ بِهِ فوصفهم بالإيمان . وقال عن بني آدم في استغفار الملائكة لهم وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فوصفهم أيضا بالإيمان . فدلّ ذلك على أنّ الرابطة بينهم هي الإيمان وهو أعظم رابطة . ومما يوضح لك أنّ الرابطة الحقيقيّة هي دين الإسلام - قوله تعالى في أبي لهب عمّ النبي صلى اللّه عليه وسلم : سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ ( 3 ) [ المسد : 3 ] ويقابل ذلك بما لسلمان الفارسي من الفضل والمكانة عند النبي صلى اللّه عليه وسلم والمسلمين ، وقد جاء عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنّه قال فيه : « سلمان منّا أهل البيت » رواه الطبراني والحاكم في المستدرك « 2 » ، وجعل عليه صاحب الجامع الصغير علامة الصحة . وضعفه الحافظ الذهبي . وقال الهيثمي فيه ، عند الطبراني كثير بن عبد اللّه المزني ضعفه الجمهور ، وبقية رجاله ثقات . وقد أجاد من قال : لقد رفع الإسلام سلمان فارس * وقد وضع الكفر الشريف أبا لهب وقد أجمع العلماء : على أنّ الرجل إن مات وليس له من القرباء إلّا ابن كافر ، أنّ إرثه يكون للمسلمين بأخوّة الإسلام ، ولا يكون لولده لصلبه الّذي هو كافر ، والميراث دليل

--> ( 1 ) أخرجه عن أبي هريرة : البخاري في الجهاد والسير حديث 3062 ، ومسلم في الإيمان حديث 178 . ( 2 ) كتاب معرفة الصحابة 3 / 598 .